الأمير الحسين بن بدر الدين

220

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

مريدا وكارها داخل في حقيقة كونه آمرا وناهيا ومتهددا . وإنّما قلنا : بأنه متى كان كذلك لم يجز أن يكون آمرا وناهيا ومتهددا إلّا وهو مريد وكاره ؛ لأنّه لو لم يكن كذلك لعاد على ما علم من حقيقة الأمر والنهي والتهديد بالنقض والإبطال ، وذلك محال . يبيّن ذلك ويوضّحه أنّ قوله تعالى : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت : 40 ] تهديد بلا خلاف ، وقوله : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [ سبأ : 13 ] أمر بلا خلاف ، وهما على سواء في كونهما صيغتي أمر . فلو لا أنّه مريد لما تناولته إحداهما ، وكاره لما تناولته الأخرى لما كان بينهما فرق . ولكانا أمرين معا أو تهديدين معا ، وذلك محال . فثبت أنه تعالى مريد وكاره . وإذا ثبت ذلك فإنه تعالى يريد جميع أفعاله سوى الإرادة والكراهة عند القائلين بأنه تعالى مريد بإرادة هي غير المراد من فعله تعالى . فأما عند النّافين للفصل بين الإرادة والمراد فعندهم أنه تعالى مريد لجميع أفعاله ، فحصل من ذلك إجماع المسلمين على أنه تعالى مريد لأفعاله على التفصيل الذي فصّلناه . وقد ذهبت المطرّفية إلى أنه تعالى لا يريد أكثر أفعاله ، ولا يقصدها ، بل وقع كثير منها من غير أن يريده ولا يقصده . وقولهم خارج عمّا عليه أهل الإسلام فلا عبرة به . وأما أفعال غير الله تعالى فإنه يريد منها الطاعات دون ما عداها من المعاصي وسواها ؛ لأنّه أمر بالطاعات ولا يكون آمرا إلا مع كونه مريدا كما تقدم بيانه . ولا يجوز أن يريد المعاصي ؛ لأن في كونه مريدا لها إدخال النقص عليه كما تقدم بيانه ، حيث بيّنّا أنّه تعالى لا يريد القبائح والحمد لله تعالى .